منتدى نور الحق

نور الهدايه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله علبه مسلم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
تفسير القران فصص الانباء والرسل عظماء فى الاسلام اسلاميات

شاطر | 
 

 تفسير القرطبي سورة المؤمنون من 60 الي 74

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نور الحق مدير المنتدى

avatar

عدد المساهمات : 878
نقاط : 2639
تاريخ التسجيل : 15/04/2012
الموقع : نور الحق

مُساهمةموضوع: تفسير القرطبي سورة المؤمنون من 60 الي 74   السبت يوليو 07, 2012 5:20 pm

الآيات: 57 - 60 ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون )

قوله تعالى: « لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. و » مشفقون « خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى. » والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة « قال الحسن: يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم. وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية » والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة « قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: ( لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) . وقال الحسن: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن عباس والنخعي » والذين يأتون ما أتوا « مقصورا من الإتيان. قال الفراء: ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة؛ لأن الهمز من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب؛ فيكتب سئل الرجل بألف بعد السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشيء وشيء بألف بعد الياء، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب » يؤتون « بألف بعد الياء، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين » يؤتون ما آتوا « و » يأتون ما أتوا « . وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما: الذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والآخر: والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة؛ فحذف مفعول في هذا الباب لوضوح معناه؛ كما حذف في قوله عز وجل: » فيه يغاث الناس وفيه يعصرون « [ يوسف: 49 ] والمعنى يعصرون السمسم والعنب؛ فاختزل المفعول لوضوح تأويله. ويكون الأصل في الحرف على هجائه الوجود في الإمام » يأتون « بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الألف واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء؛ حكاه ابن الأنباري. قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس » والذين يأتون ما أتوا « وهي القراءة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها، ومعناها يعملون ما عملوا؛ ما روي في الحديث. والوجل نحو الإشفاق والخوف؛ فالتقي والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت. وفي قوله: » أنهم إلى ربهم راجعون « تنبيه على الخاتمة. وفي صحيح البخاري ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه. وقال أصحاب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الفرض. » أنهم « أي لأنهم، أو من أجل أنهم إلى ربهم راجعون.»

الآية: 61 ( أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون )

قوله تعالى: « أولئك يسارعون في الخيرات » أي في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات. وقرئ « يسرعون في الخيرات، أي يكونوا سراعا إليها. ويسارعون على معنى يسابقون من سابقهم إليها؛ فالمفعول محذوف. قال الزجاج: يسارعون أبلغ من يسرعون. » وهم لها سابقون « أحسن ما قيل فيه: أنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل؛ كما تقدم في » البقرة « وكل من تقدم في شيء فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وفاته؛ فاللام في » لها « على هذا القول بمعنى إلى؛ كما قال » بأن ربك أوحى لها « [ الزلزلة: 5 ] أي أوحى إليها. وأنشد سيبويه: »
تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا
وعن ابن عباس في معنى « وهم لها سابقون » سبقت لهم من الله السعادة؛ فلذلك سارعوا في الخيرات. وقيل: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون.

الآية: 62 ( ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون )

قوله تعالى: « ولا نكلف نفسا إلا وسعها » قد مضى في « البقرة » . « ولدينا كتاب ينطق بالحق » أظهر ما قيل فيه: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة؛ وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق. وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم. ولفظ النطق يجوز في الكتاب؛ والمراد أن النبيين تنطق بما فيه. والله أعلم. وقيل: عنى اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه كل شيء، فهم لا يجاوزون ذلك. وقيل: الإشارة بقوله « ولدينا كتاب » القرآن، فالله أعلم، وكل محتمل والأول أظهر.

الآيات: 63 - 65 ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون، لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون )

قوله تعالى: « بل قلوبهم في غمرة من هذا » قال مجاهد: أي في غطاء وغفلة وعماية عن القرآن. ويقال: غمره الماء إذا غطاه. ونهر غمر يغطي من دخله. ورجل غمر يغمره آراء الناس. وقيل: « غمرة » لأنها تغطي الوجه. ومنه دخل في غمار الناس وخمارهم، أي فيما يغطيه من الجمع. وقيل: « بل قلوبهم في غمرة » أي في حيرة وعمى؛ أي مما وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة؛ قال قتادة. أو من الكتاب الذي ينطق بالحق. « ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون » قال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: المعنى ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من دون ما هم عليه، لا بد أن يعملوها دون أعمال المؤمنين، فيدخلون بها النار، لما سبق لهم من الشقوة. ويحتمل ثالثا: أنه ظلم الخلق مع الكفر بالخالق؛ ذكره الماوردي. والمعنى متقارب. « حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب » يعني بالسيف يوم بدر؛ قال ابن عباس. وقال الضحاك: يعني بالجوع حين قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى: ( اللهم أشدد وطأتك على مضر الله اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) . فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، وهلك الأموال والأولاد. « إذا هم يجأرون » أي يضجون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور. وقال الأعشى يصف بقرة:
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا
قال الجوهري: الجؤار مثل الخوار؛ يقال: جأر الثور يجأر أي صاح. وقرأ بعضهم « عجلا جسدا له جؤار » حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله عز وجل تضرع بالدعاء. قتادة: يصرخون بالتوبة فلا تقبل منهم. قال:
يراوج من صلوات المليك فطورا سجودا وطورا جؤارا
وقال ابن جريج: « حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب » هم الذين قتلوا ببدر « إذا هم يجأرون » هم الذين بمكة؛ فجمع بين القولين المتقدمين، وهو حسن. « لا تجأروا اليوم » أي من عذابنا. « لا تنصرون » لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقال الحسن: لا تنصرون بقبول التوبة. وقيل: معنى هذا النهي الإخبار؛ أي إنكم إن تضرعتم لم ينفعكم.

الآيتان: 66 - 67 ( قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون، مستكبرين به سامرا تهجرون )

قوله تعالى: « قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون » الآيات يريد بها القرآن. « تتلى عليكم » أي تقرأ. قال الضحاك: قبل أن تعذبوا بالقتل و « تنكصون » ترجعون وراءكم. مجاهد: تستأخرون؛ وأصله أن ترجع القهقرى. قال الشاعر:
زعموا بأنهم على سبل النجا ة وإنما نكص على الأعقاب
وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه « على أدباركم » بدل « على أعقابكم » ، « تنكصون » بضم الكاف. و « مستكبرين به » حال، والضمير في « به » قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر؛ أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف. وقيل: المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل؛ فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. وقالت فرقة: الضمير عائد عل القرآن من حيث ذكرت الآيات؛ والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. النحاس: والقول الأول أولى، والمعنى: أنهم يفتخرون بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى.

قوله تعالى: « سامرا تهجرون » « سامرا » نصب على الحال، ومعناه سمارا، وهو الجماعة يتحدثون بالليل، مأخوذ من السمر وهو ظل القمر؛ ومنه سمرة اللون. وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سمر القمر؛ فسمي التحدث به. قال الثوري: يقال لظل القمر السمر؛ ومنه السمرة في اللون، ويقال له: الفخت؛ ومنه قيل فاختة. وقرأ أبو رجاء « سمارا » وهو جمع سامر؛ كما قال: ألست ترى السمار والناس أحوالي وفي حديث قيلة: إذا جاء زوجها من السامر؛ يعني من القوم الذين يسمرون بالليل؛ فهو اسم مفرد بمعنى الجمع، كالحاضر وهم القوم النازلون على الماء، والباقر جمع البقر، والجامل جمع الإبل، ذكورتها وإناثها؛ ومنه قوله تعالى: « ثم نخرجكم طفلا » [ الحج: 5 ] أي أطفالا. يقال: قوم سمر وسمر وسامر، ومعناه سهر الليل؛ مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر. قال الجوهري: السامر أيضا السمار، وهم القوم الذين يسمرون؛ كما يقال للحاج حجاج، وقول الشاعر:
وسامر طال فيه اللهو والسمر
كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر بذلك. وقيل: وحد سامرا وهو بمعنى السمار؛ لأنه وضع موضع الوقت، كقول الشاعر:
من دونهم إن جئتهم سمرا عزف القيان ومجلس غمر
فقال: سمرا لأن معناه: إن جئتهم ليلا وجدتهم وهم يسمرون. وابنا سمير: الليل والنهار؛ لأنه يسمر فيهما، يقال: لا أفعله ما سمر ابنا سمير أبدا. ويقال: السمير الدهر، وابناه الليل والنهار. ولا أفعله السمر والقمر؛ أي ما دام الناس يسمرون في ليلة قمراء. ولا أفعله سمير الليالي. قال الشنفرى:
هنالك لا أرجو حياة تسرني سمير الليالي مبسلا بالجرائر
والسمار ( بالفتح ) اللبن الرقيق. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث، وهذا أوجب معرفتها بالنجوم؛ لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب. وكانت قريش تسمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، فعابهم الله بذلك. و « تهجرون » قرئ بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، إذا نطق بالفحش. وبنصب التاء وضم الجيم من هجر المريض إذا هدى. ومعناه: يتكلمون بهوس وسيء من القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفي القرآن؛ عن ابن عباس وغيره.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية « مستكبرين به سامرا تهجرون » ؛ يعني أن الله تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هذيان وإما في إذاية. وكان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر؛ يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة.

روى مسلم عن أبي برزة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها. قال العلماء: أما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها؛ ولهذا قال عمر: فمن نام فلا نامت عينه؛ ثلاثا. وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبدالله وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك. ورخص فيه بعضهم، منه علي وأبو موسى وغيرهم؛ وهو مذهب الكوفيين. وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة. وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهية الحديث بعدها فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة، وقد ختم الكتاب صحيفته بالعبادة؛ فإن هو سمر وتحدث فيملؤها بالهوس ويجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضا فإن السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح. وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبدالله قال قال رسول الله: ( إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا الإناء وأطفؤوا المصابيح ) . وروي عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرا أول الليل ونوما آخره! أريحوا كتابكم. حتى أنه روي عن ابن عمر أنه قال: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح. وأسنده شداد بن أوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سكنا، أي يسكن فيه، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش؛ فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال « وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا » [ الفرقان: 47 ] .
هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك؛ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبيته. وقد قال البخاري: ( باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ) وذكر أن قرة بن خالد قال: انتظرنا الحسن وراث علينا حتى جاء قريبا من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال أنس: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء فصلى ثم خطبنا فقال: ( إن الناس قد صلوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال الحسن: فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير. قال: ( باب السمر مع الضيف والأهل ) وذكر حديث أبي بكر بن عبدالرحمن أن أصحاب الصفة كانوا فقراء... الحديث. أخرجه مسلم أيضا. وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما هو مشهور في الأخبار. وقد مضى من ذلك جملة في آخر « آل عمران » والحمد لله وحده.

الآية: 68 ( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين )

قوله تعالى: « أفلم يدبروا القول » يعني القرآن؛ وهو كقوله تعالى: « أفلا يتدبرون القرآن » [ النساء: 82 ] . وسمى القرآن قولا لأنهم خوطبوا به. « أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين » فأنكره وأعرضوا عنه. وقيل: « أم » بمعنى بل؛ أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر له. وقال ابن عباس: وقيل المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين فتركوا الأعز.

الآية: 69 ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون )

هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون: الخير أحب إليك أم الشر؛ أي قد أخبرت الشر فتجنبه، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصدق والأمانة؛ ففي اتباعه النجاة والخير لولا العنت. قال سفيان: بلى! قد عرفوه ولكنهم حسدوه!

الآية: 70 ( أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون )

قوله تعالى: « أم يقولون به جنة » أي أم يحتجون في ترك الإيمان به بأنه مجنون، فليس هو هكذا لزوال أمارات الجنون عنه. « بل جاءهم بالحق » يعني القرآن والتوحيد الحق والدين الحق. « وأكثرهم » أي كلهم « للحق كارهون » حسدا وبغيا وتقليدا.

الآية: 71 ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون )

قوله تعالى: « ولو اتبع الحق » « الحق » هنا هو الله سبحانه وتعالى؛ قال الأكثرون، منهم مجاهد وابن جريج وأبو صالح وغيرهم. وتقديره في العربية: ولو اتبع صاحب الحق؛ قاله النحاس. وقد قيل: هو مجاز، أي لو وافق الحق أهواءهم؛ فجعل موافقته اتباعا مجازا؛ أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إما عجزا وإما جهلا لفسدت السموات والأرض. وقيل: المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير وفسدت السموات والأرض، وإذا فسدتا فسد من فيهما. وقيل: « لو اتبع الحق أهواءهم » أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالم؛ لأن شهوات الناس تختلف وتتضاد، وسبيل الحق أن يكون متبوعا، وسبيل الناس الانقياد للحق. وقيل: « الحق » القرآن؛ أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السموات والأرض. « ومن فيهن » إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجنها؛ الماوردي. وقال الكلبي: يعني وما بينهما من خلق؛ وهي قراءة ابن مسعود « لفسدت السموات والأرض وما بينهما » فيكون على تأويل الكلبي وقراءة ابن مسعود محمولا على فساد من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد. وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولا على فساد ما يعقل من الحيوان؛ لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السموات من الملائكة بأن جعلت أربابا وهي مربوبة، وعبدت وهي مستعبدة. وفساد الإنس يكون على وجهين: أحدهما: باتباع الهوى، وذلك مهلك. الثاني: بعبادة غير الله، وذلك كفر. وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع؛ لأنهم مدبرون بذوي العقول فعاد فساد المدبرين عليهم.

قوله تعالى: « بل أتيناهم بذكرهم » أي بما فيه شرفهم وعزهم؛ قاله السدي وسفيان. وقال قتادة: أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم. ابن عباس: أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. « فهم عن ذكرهم معرضون »

الآية: 72 ( أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين )

قوله تعالى: « أم تسألهم خرجا » أي أجرا على ما جئتهم به؛ قال الحسن وغيره. « فخراج ربك خير » وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب « خراجا » بألف. الباقون بغير ألف. وكلهم قد قرؤوا « فخراج » بالألف إلا ابن عامر وأبا حيوة فإنهما قرأ بغير الألف. والمعنى: أم تسألهم رزقا فرزق ربك خير. « وهو خير الرازقين » أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولا ينعم مثل إنعامه. وقيل: أي ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له والدعاء إليه خير من عرض الدنيا، وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعين رجل من قريش فلم تجبهم إلى ذلك؛ قال معناه الحسن. والخرج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن؛ قال الأخفش. وقال أبو حاتم: الخرج الجعل، والخراج العطاء. المبرد: الخرج المصدر، والخراج الاسم. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. وعنه أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. ذكر الأول الثعلبي والثاني الماوردي.

الآيتان: 73 - 74 ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون )

قوله تعالى: « وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم » أي إلى دين قويم. والصراط في اللغة الطريق؛ فسمي الدين طريقا لأنه يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها. « وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة » أي بالبعث. « عن الصراط لناكبون » قيل: هو مثل الأول. وقيل: إنهم عن طريق الجنة لناكبون حتى يصيروا إلى النار. نكب عن الطريق ينكب نكوبا إذا عدل عنه ومال إلى غيره؛ ومنه نكبت الريح إذا لم تستقم على مجرى. وشر الريح النكباء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kamal.3arabiyate.com
 
تفسير القرطبي سورة المؤمنون من 60 الي 74
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نور الحق :: تفسير القران الكريم-
انتقل الى: